ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

40

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

للاختصاص « 1 » ، وإنما هو كالذي أشرت إليه في تقديم المفعول ، وأنه لم يقدم للاختصاص ، وإنما قدم من أجل نظم الكلام ، لأن قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة أحسن من أن لو قيل : وجوه يومئذ ناضرة ناظرة إلى ربها ، والفرق بين النظمين ظاهر ، وكذلك قوله تعالى : والتفت الساق بالساق . إلى ربك يومئذ المساق فإن هذا روعي فيه حسن النظم ، لا الاختصاص ، في تقديم الظرف ، وفي القرآن مواضع كثيرة من هذا القبيل يقيسها غير العارف بأسرار الفصاحة على مواضع أخرى وردت للاختصاص وليست كذلك ، فمنها قوله تعالى : إلى ربك يومئذ المستقر وقوله تعالى : ألا إلى الله تصير الأمور و له الحكم وإليه ترجعون * و عليه توكلت وإليه أنيب * فإن هذه جميعها لم تقدم الظروف فيها للاختصاص ، وإنما قدمت لمراعاة الحسن في نظم الكلام ؛ فاعرف ذلك . وأما الثاني - وهو تأخير الظرف وتقديمه في النفي - فنحو قوله تعالى : ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه وقوله تعالى : لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون فإنه إنما أخر الظرف في الأول لأن القصد في إيلاء حرف النفي الريب نفي الريب عنه ، وإثبات أنه حق وصدق ، لا باطل وكذب ، كما كان المشركون يدعونه ، ولو أولاه الظرف لقصد أن كتابا آخر فيه الريب لا فيه ، كما قصد في قوله تعالى : لا فيها غول فتأخير الظرف يقتضي النفي أصلا من غير تفضيل ، وتقديمه يقتضي تفضيل المنفي عنه ، وهو خمر الجنة ، على غيرها من خمور الدنيا : أي ليس فيها ما في غيرها من الغول ، وهذا مثل قولنا : لا عيب في الدار ، وقولنا : لا فيها عيب ، فالأول نفي للعيب عن الدار فقط ، والثاني تفضيل لها على غيرها : أي ليس فيها ما في غيرها من العيب ، فاعرف ذلك فإنه من دقائق هذا الباب . وأما تقديم الحال فكقولك : جاء راكبا زيد ، وهذا بخلاف قولك : جاء زيد راكبا ؛ إذ يحتمل أن يكون ضاحكا أو ماشيا أو غير ذلك .

--> ( 1 ) كيف وقد فسر المعنى بقوله « أي تنظر إلى ربها دون غيره » فالأحسن أنه مع إفادته الاختصاص قدم للغرض اللفظي الذي أشار إليه .